سهيلة عبد الباعث الترجمان
148
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
العالم المحسوس إلى العالم المعقول ثالثا وأخيرا « 1 » . وأفلوطين وهو كبير ممثلي الأفلاطونية الحديثة الإسكندرانية أراد أن يبين كيف أن اللّه الذي هو الواحد المطلق المنزه عن مشابهة المخلوقات يخلق بسلسلة من الفيوض ، العقل ، ثم النفس المكوّنة للعالم ، وكيف ينتج عن ذلك أن مبدأ واحدا هو الذي تصدر عنه بضرورة طبيعية جميع الأشياء المتكثرة المتعددة « 2 » ، وأول ما يقال على هذا المطلق أنه لا يمكن وصفه أو الحديث عنه بالإيجاب ذلك أن أفلوطين يعرّف الواحد بأنه ما لا ينطبق عليه العدد ، وكما لا يقبل العدد لا يمكن تحديده أو الإشارة إليه بهذا أو ذلك ، لأنه ليس الوجود بل ما يفوق الوجود ، فإذا كان الوجود عند أرسطو هو الجوهر الذي يمكن الإشارة إليه ، فليس المطلق جوهرا بهذا المعنى ، " إن الجوهر الذي هو صورة ، صادر عن الواحد ، لذا لا يمكن أن نقول عن الواحد أنه ينتج شيئا آخر إلّا الصورة ، وليست هذه الصورة صورة معينة ، بل الصورة الكلية التي لا يوجد خارجها أي صورة أخرى ، ولذلك فمن الضروري ألّا يكون للواحد صورة . . . فإذا بينا أن المطلق يفوق الوجود ، فمعنى هذا أنه مبدأ الوجود ، وهو يحوي الوجود كله ولا يحويه شيء ، وكل شيء فيه لأنه علّة كل شيء ، وفي هذا الوصف ما يكفي لكي ينضم أفلوطين إلى أتباع مذهب وحدة الوجود " « 3 » . ويؤكد أفلوطين وحدة الوجود هذه حين يقول بأن كل موجود يقاس وجوده بما فيه من وحدة ، وتفاوت الأشياء في درجات الوجود إنما يرجع إلى تفاوت ما بها من وحدة . فإذا تبينا أن الفكر إنما يعني ، اكتشاف الوحدة في الكثرة ، وهذا يستدعي التمييز بين الفكر وموضوعه ، فلا بد أن يكون المطلق هو الواحد الذي يفوق الفكر كما يفوق الوجود . والخلاصة كما يقول أفلوطين . . . أنه لولا الواحد لما وجد شيء على الإطلاق ، فهو فوق الحياة وعلّة الحياة لأن الحياة تفيض منه كما تفيض الحياة من النبع « 4 » لذلك
--> ( 1 ) بدوي ( عبد الرحمن ) ، الموسوعة الفلسفية ، مرجع سابق ، ص 122 . ( انظر حربي عباس ، ملامح الفكر الفلسفي والديني في مدرسة الإسكندرية القديمة ، الطبعة الأولى ، دار العلوم العربية ، بيروت ، 1413 ه / 1992 م ، ص 146 ) . ( 2 ) أمين ( عثمان ) ، الفلسفة الرواقية ، مرجع سابق ، ص 276 . ( 3 ) مطر ( أميرة حلمي ) ، الفلسفة عند اليونان ، مرجع سابق ، ص 448 . ( 4 ) المرجع السابق ، ص . ص 448 - 449 .